محمد غازي عرابي
956
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وأنثى منفعلة ، أو على مستوى الجمع يكون الوجود ذكرانا وإناثا وللّه الفعل والأمر . . وهذا ما عبرت عنه الآية الخمسون القائلة : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ أي اللّه ذُكْراناً وَإِناثاً فالعملية متداخلة مترابطة لا انفصال بين حلقاتها ولا تفكك . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) [ الشورى : 51 ، 53 ] توضح الآيات كيفية تنفيذ عملية التزاوج والتوالد بين الذكور والإناث علما أن اللّه هو الفاعل ، ويتحقق الفعل عن طريق التكليم ، والتكليم مقام موسوي ، كشف فيه لموسى عليه السّلام مصدر الحوار الذاتي نفسه فإذا الإنسان أمام اللّه بلا معية ، وإذا هو فان أمام هذا الظهور النوراني الفعال ، ولهذا كانت حقيقة المقام الموسوي أنه لم يكلم اللّه إلا اللّه ، لأن من نتائج الكشف الموسوي فناء الخاطر الإنساني وبقاء الخاطر بل الخواطر الإلهية التي اتخذت من القلب ميدانا لنشاطها الذاتي . والمكالمة وصفت بصفات ، منها أن اللّه يكلم بالوحي ، والوحي الصوت الخفي ، ومنها أن اللّه يكلم من وراء حجاب ، والحجاب هو الأنية الإنسانية نفسها حيث يظن الإنسان أنه يكلم نفسه بنفسه ، وأنه ليس ثمت إلا نفسه ، في حين أن اللّه خالق النفس وملهمها فجورها وتقواها ، ومنها أن اللّه يرسل رسولا يوحي ، والرسول الصفة التي سميناها المعقول ، فيكون الإنسان عاقلا يستمع ما يقوله المعقول له وينفذ أوامره طوعا أو كرها ، وعليه فالآيات تكشف بطنان الهوية الأحدية والعين الإلهية ومركز إشعاع الدائرة الأسمائية التي هي الوجود الحق ؟ وما عداها ليس إلا النسب والإضافات القائمات بها ، وما الفناء الذي تحدثت عنه الصوفية سوى رفع الحجاب بين الإنسان واللّه ، فإذا للّه الأمر والفعل ، وله الأمر من قبل ومن بعد ، وإذا هو وحده المستوي على عرش القلب بلا شريك ، وإذا الإنسان مجرد لاقط حسي للكلام الإلهي الذي يوجهه للتصرف في ملكي السماوات والأرض ، ويعقب الفناء فناء ثان ، وفيه يفنى الجزئي في بحر الكلي ، فإذا الإنسان مجرد صورة إلهية باعتبار اللّه هو المطلق ، وباعتبار الإنسان المقيد بإطار الزمان والمكان ، ثم يعقب هذا فناء ثالث وأخير ، وفيه لا يبقى من الإنسان سوى آلة هي الدماغ ، فيه مركز الوعي الحسي ، وهو حاسوب يستقبل المعلومات ويحفظها ثم يبرزها حين الطلب ، والحاسوب للّه وباللّه .